الرئيسية > خطب ومحاضرات > صـداقة المصـالح هل يجب أن تتجنبها أم تسـتـثـمرها؟

صـداقة المصـالح هل يجب أن تتجنبها أم تسـتـثـمرها؟

الصداقة القائمة على المصلحة المتبادلة: كيف نميّز الصحبة النافعة من الاستغلال؟

سنتحدث عن الصداقة المبنية على المصلحة، والشكوى من علاقات المصلحة القائمة على الانتهازية والاستغلالية، إنها ليست حالة نادرة!

الإنسان بشكل أو بآخر «مصلحجي» أو «مصلحي»؛ حتى في أكثر أفعاله إيثارًا، فهو يبحث عن سعادة التضحية والإيثار في سبيل الآخرين، لكن هناك نمط من الانتهازيين لا يمكن تجاهله أو تبريره بالفطرة النفعية للإنسان.

يعتقد البعض أن الناس لا يصاحبون إلا لمصلحة، هل هذا صواب؟ أليس الكل يحتاج الكل؟ فما العيب في ذلك؟

تعريف صحبة المصلحة

لولا المصلحة لما اجتمع الناس مع بعضهم، الزوج والزوجة والأولاد والمدير في العمل… كلنا نتعامل من خلال المصلحة، وهذا ليس عيبًا، سواء مصلحة أو نفع متبادل.

ثلاثة محاور نصاحب الناس من أجلها

مجموعة بكلمة «أمن الصحبة».

المحور الأول: أسرار الصحبة

مثال: صديقي يعرف أسراري أكثر من أهلي أو أي أحد آخر، خاصة بمرحلة الطفولة، إن الأسرار بين الأطفال عادة الأم لا تعرفها والآباء أيضًا لا يعرفونها، هناك أسرار متبادلة، كلما ازدادت ثقتي بصاحبي ازدادت الأسرار.

المحور الثاني: عدم المبالغة

يجب أن نتجنبها، يوجد صاحب، حبيب، أخ، مدير في العمل، لا يوجد مبالغة، يجب أن يكون هناك حدود للصحبة.

ورد في الأثر:

«أحبب حبيبك هونًا ما؛ عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما؛ عسى أن يكون حبيبك يومًا ما».
[أخرجه الترمذي]

فهذه المبالغة في الصحبة تتحول من إطار الصحبة إلى إطار: شقيقي وأعز من أخي… هذا خطأ، لا يوجد شيء اسمه «أعز من أخي»، هذه كلمة فاشلة، ولا يوجد شيء اسمه «هذا الشخص أقرب من أهلي»، هذه المبالغة أخرجت الصحبة عن إطارها!

المحور الثالث: نفع متبادل

يعني أنا أمام خيارين لا ثالث لهما، هذا الصاحب إما أن ينفعني أو يضرني، لا يوجد شيء بالوسط؛ إما نفع أو ضرر.

دليل هذا الكلام حديث النبي صلى الله عليه وسلم، يذكر عن الصحبة ويعطي مثالين لا ثالث لهما:

«إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك: إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا خبيثة».
[أخرجه البخاري ومسلم]

الصاحب الأول هو الصاحب الجيد، كحامل المسك إما أن تبتاع منه أو تشم منه رائحة طيبة، يعني مستفيد في الحالتين.

أما الصاحب الثاني فهو كنافخ الكير، الذي ينفخ لكي يوقد النار، هذا إما أن يؤذيك بناره أو أن يؤذيك بريحه.

يجب أن نتجنب الصداقات الهلامية غير المفيدة، وخاصة الأطفال والشباب المقبلين على المدارس والجامعات، احذروا من ضياع الوقت مع الشخص الهلامي الذي لا نفع ولا ضرر منه، عمليًا إذا الشخص لا يفيدني فهو يضرني؛ لأن حالته السلبية من عدم التفاعل هي التي تؤدي إلى جعله صديق وصاحب سوء.

الإمام ابن عطاء الله السكندري يقول:

«لا تصحب إلا من ينهضك حاله، أو يدلك على الله مقاله».

يجب أن أعرف صاحبي الذي أتعامل معه؛ إما أنني أستفيد منه في الدنيا أو في الآخرة أو كليهما، فالصاحب الذي يعلمني معلومات جديدة ويساعدني بأموري المستعصية، ويدلني على أصحاب عمل ممكن أن يساعدوني، أو أنه ينفعني بالآخرة.

مثال: صاحب مسجد يعلمني القرآن، ويدلني على الخير، ويصلح بيني وبين عائلتي، فإما يقدمني إلى عمل طيب أكسب منه مالًا أو أكسب منه حسنات «إما ليرات أو حسنات».

أما الصاحب الذي ليس منه فائدة؛ يعني صاحبي يرمي همومه علي حتى أصبح إنسانًا محبطًا! الإنسان الذي يشكو همومه وتذمره من كل شيء، ويتكلم بالغيبة والنميمة ولا يتكلم بغير ذلك، فهذه إساءة وأنانية وصاحب سوء.

الصحبة الصالحة في مجال العمل -مثلًا-: يتفق الصديقان على أن يطورا ويحسنا الأداء في العمل.

أو الجيران -مثلًا-: ينصحون بعضهم بالصلاة في المسجد، وقراءة القرآن، وتعليم أولادهم الأفضل.

لا يوجد خيار ثالث، إما شيء جيد في الدين والدنيا، أو الخيار الثاني؛ وهو صديق السوء.

هل العلاقات الزوجية مبنية على المصالح أم لا؟

القاعدة هي:

الرجل يعطي أمانًا ويأخذ حبًا، والمرأة تمنح حبًا لتأخذ أمانًا.

متى تفكر الزوجة بالانفصال عن زوجها؟ عندما تفقد الأمان معه، مثلًا زوجها يتعاطى مخدرات، له أفعال تنافي القانون، فاشل في العمل… لم يعد يوجد أمان عنده، فالأحسن لها أن تتركه.

وأيضًا الرجل؛ متى يفقد الأمان مع زوجته؟ إذا شعر أنها لم تعد تحبه، لم تعد تريد هذه العلاقة، إذًا ما الذي يجبره على الاستمرار؟

لذلك الشرع لما شرع الطلاق، قال تعالى:

﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾
[النساء: 130]

السطر النهائي في العلاقة الزوجية:

هي تريد الأمان وهو يريد الحب.

الحب والأمان نسميهما «ضرورة»، كل العلاقات في الدنيا، بيننا وبين الله وبيننا وبين الناس، قائمة على «الضرورة».

علاقتنا مع الله على ماذا مبنية؟

عندما نستنفد كل وسائل الأرض نلجأ إلى الله.

قال تعالى:

﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾
[النمل: 62]

نلاحظ أن كل الناس تدعو الله، وأحيانًا لا يستجاب دعاؤها، لماذا؟ لأنه ليس مضطرًا، عندما تصل إلى مرحلة أنك مضطر تمامًا سيستجاب دعاؤك.

العلاقة بين الآباء والأبناء ضرورة؟! كيف ذلك؟

علاقة ضرورة، طبعًا الابن مضطر لوالده في صغره وكبره وكل مراحل حياته، حتى حياتهما بعد الموت، لولا رضا والدي ربما لا أدخل الجنة!

اتفقنا على أن العلاقة يجب أن تكون مبنية على المصلحة، ولكن هل ستتطور صداقة المصلحة وتصبح صداقة حقيقية في يوم ما؟

الجواب: لا… ستبقى مصلحة، سيزداد الحب والود والنفع.

عندما نقول كلمة «صحبة» فإننا نتذكر صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، ما الذي نفعهم؟ من كان سيدنا عمر قبل أن يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم؟ كان داخلًا على النبي صديق سوء، ويريد أن يقتل النبي وأصحابه. ثم خرج «عمر» من عنده، ماذا أفادته الصحبة؟ بدأ مسلمًا عاديًا، ثم مع المجموعات، ثم… ثم خليفة المسلمين، إذًا هذه الصحبة ماذا فعلت؟ صنعت منه أعظم رجل.

ما معيار الصداقة المقبولة مع صديقك؟

طالما هناك نفع متبادل وضرورة لبقاء الصحبة، نستمر في هذه الصحبة.

مثال على ذلك: صديقي بالجامعة عندما تعرفت عليه كان معدلي 50% في السنة الأولى، وعندما تخرجنا أصبح معدلي ومعدله 90%، إذًا هذه صحبة خير.

مثال عكسي: عندما تعرفت على صديقي بالجامعة بدأت أدخن مثله، وأعاكس الفتيات، وأصبحت أضيع الوقت مثله، وتركت صلاتي بعدما كنت لا أضيع فرضًا… إذًا هذا صديق سوء، والصاحب ساحب.

يجب أن أقارن العلاقة الزوجية، هل علاقتي مع زوجتي بالبداية مثل الآن؟ أم أنها ترتقي؟ كم من فائدة أدخلتها على زوجتي؟ يجب أن أبحث عن الضرورة والرقي في هذه المصلحة.

هل يوجد مصلحة متبادلة ومصلحة من جهة أخرى؟

إن كانت المصلحة من جهة واحدة للشخص فهو جليس سوء.

العلاقات بين الشباب والبنات، نحن دائمًا نحذر الفتيات من الصديق الذي يظن أنه صديق، لكنه يريد أن يستنفع منك، لا يريد أن يعطيك. إذا كنت تريدني أن أحبك فتقدم بخطبتي من أهلي، فيرفض؛ لأنها صحبة مصلحة من طرف واحد.

الرسالة هنا: كن ضرورة لمن حولك!

أيتها الزوجة: هل تريدين زواجًا بلا طلاق؟ كوني ضرورة بحياة زوجك كل يوم.

أيها الزوج: هل تريد زوجتك أن تحبك؟ كن ضرورة لها كل يوم، ويجب أن تعرف إذا لم تنفعها فلن تنفعك، القضية نفع متبادل.

وإذا وجد نفع متبادل في الدين والآخرة فهذا جيد، أما منفعة من طرف واحد فهذه صحبة لا داعي لها.

كيف تنعكس الصحبة على الأطفال وكيف نعلمهم ذلك بشكل صحيح؟

الفكرة الأساسية التي أركز عليها في موضوع الأطفال: أن أعود طفلي على ذلك من الصغر، هذا الصديق إذا لم ينفعك في دراستك، ويكون سببًا في تحسين عاداتك وأخلاقك، فلا تصاحبه.

مثال على صاحب السوء، أقول لطفلي: لاحظ! كلما تذهب للمدرسة فإن صديقك يأكل من طعامك، ويستعير كل أغراضك، ويتكل عليك بكتابة وظائفه، وعندما يأتي لبيتك يطلب أن يلعب بألعابك، هذا واضح أنه يريد أن يأخذ ولا يعطي!

لنرَ ماذا نفعك الصاحب الجيد، كنت تأخذ علامة متدنية بالإملاء وأصبحت بعد ذلك مرتفعة، إذًا هذه صحبة جيدة.

هل كنت لا تحفظ شيئًا من القرآن وأصبحت تحفظ الآن؟ هل كنت تغضب من والدتك فغيرت هذا السلوك الآن؟

مثلًا: صديقك أهداك هدية، فيجب أن تردها له وتكون نافعًا له.

يجب أن أعلم أطفالي من الصغر أن الصاحب مفيد، ويجب أن نبادله ذلك، دعونا نعود بعضنا على فكرة: أستفيد وأفيد، أما العلاقة من طرف واحد فهي علاقة تضحية.

كيف يمكن للوعي بالمصلحة المتبادلة أن يساعدنا على النجاح؟

يوجد كلمة نتداولها في مجتمعنا دائمًا: «أنا أضحي»، هذه كلمة سخيفة لا معنى لها، لا أحد يضحي في هذه الدنيا، فكلمة التضحية تعني عطاء بلا مقابل، لكن فعليًا هي غير موجودة.

مثال على ذلك: الأم تضحي، عند عدم استقامة الأولاد، وعند زواجه بفتاة لا ترغبها، أو يعمل أعمالًا لا تحبها ولا ترضي الله، هي نفسها الأم ستقول: لماذا أضحي أنا؟ أنا عندما أقدم أريد أن أستعيد.

لذلك حتى العلاقة مع الله:

﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾
[لقمان: 14]

لا يوجد تضحية، أهلك أعطوك بالصغر، قال تعالى:

﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾
[الإسراء: 23]

يعني أهلك معك بالبيت، وتتحمل عناءهم وطعامهم وشرابهم مع كبر سنهم.

مثال رائع جدًا عن النبي عليه الصلاة والسلام:

هل كان يقدم بلا أخذ؟ لا… كل ما قدمه النبي صلى الله عليه وسلم قدمه لأنه يريد أن يرضي الله عز وجل، ولأنه يريد النفع الأعلى.

النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

«وسلوا الله لي الوسيلة»، قالوا: يا رسول الله، وما الوسيلة؟ قال: «أعلى درجة في الجنة، لا ينالها إلا رجل واحد، أرجو أن أكون أنا هو».
[أخرجه الترمذي]

النبي يقدم في سبيل الله كل شيء حتى يكون أول الناس وليس آخر الناس.

فكرة العبثية وأنني أضحي وأنا أعطي بلا مقابل… يومًا ما ستأخذ الجميع، وستأخذ كل شيء، من البداية لا تقدم إلا أن تضمن أن هناك عائدًا يتناسب مع ما تقدم.

مثال: حتى في صلح الحديبية الثاني، عندما اجتمع الرسول صلى الله عليه وسلم بالأنصار حين جاؤوا من المدينة، بعد الانتهاء من بنود الصلح والاتفاقية كاملة، قالوا:

«فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا بذلك؟»
[سيرة ابن هشام]

يعني إذا دافعنا عنك وبذلنا أرواحنا، ماذا نستفيد؟ قال الرسول لهم:

«الجنة، إن لكم الجنة».

مع أنه في حياته دائمًا عوضهم، وأبى إلا أن يكون بينهم، ودعا الله عز وجل للمدينة أن يكون خيرها أعم، وأن يكون حبها أشد، وأن لا يؤذيها أحد. كان الدين من البداية واضحًا أن فيه مصلحة.

النبي عليه الصلاة والسلام يضع سطرًا من أعاجيب القول لأي إنسان في الدنيا، يقول:

«ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناه، ما خلا أبا بكر، فإن له عندنا يدًا يكافئه الله بها يوم القيامة».
[أخرجه الترمذي]

يعني ذلك أن النبي ينهاك أن تقول: أنا قدمت للدين ولله ورسوله ولم يأتني مقابله عشرات.

يقول عتبة بن غزوان:

«ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما لنا طعام إلا ورق الشجر، حتى قرحت أشداقنا، والتقطت بردة، فشققتها بيني وبين سعد بن مالك، فاتزرت بنصفها، واتزر سعد بنصفها، فما أصبح اليوم منا أحد إلا أصبح أميرًا على مصر من الأمصار».
[صحيح مسلم]

إذًا الحياة أخذ وعطاء.

هذه رسالة خاصة للأمهات؛ لأن كثيرًا من الأمهات يشتكين من ذلك، كيف نعلم أطفالنا أن يتقبلوا فكرة أن كل شيء في الحياة فيه أخذ وعطاء، يعني مصلحة مشتركة، وخاصة في العلاقات؟

أن نعود الطفل ونعلمه: إذا أعطوك أعطهم، والعكس صحيح، إذا لم يوجد مصلحة متبادلة، احذر أن تكون ذريعة للاستغلال والاضطهاد، حتى في الاستغلالات غير الأخلاقية وغير المنطقية.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مشاركة المقال :

مقالات ذات صلة

اكتشف المزيد
اكتشف المزيد
اكتشف المزيد