الزهد هو خلاف الرغبة، وهو ضد الحرص على الدنيا. ويُقال: زهد في الشيء؛ أي تركه وأعرض عنه. وقد تكلّم السلف ومَن بعدهم في تفسير الزهد في الدنيا، وتنوّعت عباراتهم في توضيح حقيقته ومعناه.
روى الإمام أحمد في كتاب الزهد عن أبي مسلم الخولاني رحمه الله أنه قال:
❞ ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، إنما الزهادة في الدنيا أن تكون بما في يد الله أوثق مما في يديك، وإذا أُصبت بمصيبة كنت أشد رجاءً لأجرها وذخرها من إياها لو بقيت لك.
ومن تفسيرات الزهد قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ولعله من أصح ما قيل في الزهد؛ لتوافقه مع مدلول الآيات والأحاديث، وحال الصحابة والسلف الصالح رضي الله عنهم، حيث قال:
❞ الزهد هو ترك ما لا ينفع في الآخرة.
فمن كانت في قلبه الرغبة في الآخرة، ولا يعمل العمل إلا إذا كان نافعًا له فيها، وإذا لم يكن نافعًا له في الآخرة تركه، فهذا هو الزاهد.
وعلى هذا، قد يكون الزاهد غنيًا، وقد يكون مشتغلًا ببعض المباحات وأمور الدنيا، ما دام اشتغاله بها مما ينفعه في الآخرة.
قال أبو حامد القاضي:
❞ الزهد في الدنيا لا يصح؛ لأن الإنسان خُلق منها، وعمرها، وسكن فيها، فلا سبيل إلى انسلاخه منها.
وهذا قول جميل؛ فالزهد ليس بمعنى الفقر، ولا يعني ترك المال أو العمل، وإنما يعني تعلق القلب بالآخرة من دون الانسلاخ من الدنيا أو تعطيل أسباب الحياة.
وقال العز بن عبد السلام رحمه الله في كتاب قواعد الأحكام:
❞ الزهد في الشيء خلوّ القلب من التعلق به، مع الرغبة عنه والفراغ منه، ولا يشترط خلوّ اليد منه ولا انقطاع الملك عنه.
فإن سيد المرسلين وقدوة الزاهدين ﷺ مات عن فدك والعوالي ونصف وادي القرى وسهامه من خيبر، وملك سليمان عليه السلام الأرض كلها، وكان شغلهما بالله مانعًا لهما من التعلق بكل ما ملكا.
لم يرد ذكر الزهد في القرآن الكريم صراحةً إلا مرة واحدة، في قول الله تعالى:
❞ ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾
[يوسف: 20]
وجاء في تفسير ابن كثير:
❞ يقول تعالى: وباعه إخوته بثمن قليل، والبخس هو النقص، أي اعتاض عنه إخوته بثمن دون قليل، وكانوا مع ذلك فيه من الزاهدين؛ أي ليس لهم رغبة فيه، بل لو سُئلوه بلا شيء لأجابوا.
وقال ثعلب:
❞ اشتروه على زهد فيه.
إن الله عز وجل لم يأمر الإنسان بإعمار الأرض بقوله تعالى:
❞ ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾
[هود: 61]
ثم ينقض ذلك بالأمر بالزهد فيها بمعنى تركها، بل أمر الإنسان أن يعمر الأرض من دون أن يجعل الدنيا غايةً في حد ذاتها.
❞ الزهد الحقيقي ليس الهروب من الدنيا، وإنما ألّا تصبح الدنيا أكبر همّ الإنسان أو الغاية التي يتعلّق بها قلبه.
يجب التفريق بين الدنيا المذمومة والدنيا المطلوبة.
فالدنيا المذمومة هي التي تشغل الإنسان عن الله والآخرة، وتدفعه إلى الاستكبار والفسق والتعلق بالشهوات.
قال الله تعالى:
❞ ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾
[الأحقاف: 20]
ومن الفهم الخاطئ لبعض النصوص نشأ عند بعض المسلمين مفهوم الهروب من الدنيا والابتعاد عنها والزهد فيها بمعنى تركها، فتركوا أسباب القوة والعمل والعمران لغيرهم.
أما الدنيا المطلوبة، فهي التي تكون وسيلة لطاعة الله، وإعمار الأرض، ونفع الناس، وتحقيق الخير.
اشتمل عدد من الأحاديث على معنى الزهد، إلا أن كثيرًا منها لا يرقى إلى درجة القبول، وبعضها يحتاج إلى تحرير ودراسة مستقلة للتحقق من أسانيده ودلالاته.
ومن خلال البحث والنظر في الأحاديث الواردة في كتب وأبواب الزهد، يتبين أن مفهوم الزهد لا يقوم على ترك الحياة والعمل والمال، وإنما يقوم على عدم تعلق القلب بالدنيا، وتقديم ما ينفع الإنسان في الآخرة.
نعم، كان النبي ﷺ سيد الزاهدين وقدوتهم، لكن زهده لم يكن فقرًا متعمدًا، ولا تركًا للعمل، ولا تحريمًا للطيبات.
كان زهده ﷺ زهد القلب؛ فكانت الدنيا في يده ولم تكن في قلبه. وكان يأكل، ويتزوج، ويقود المجتمع، ويقيم الدولة، ويأمر بالعمل والكسب والإنفاق.
❞ الزهد النبوي هو الاستفادة من الدنيا في طاعة الله، من دون أن تتحول الدنيا إلى غاية تسيطر على القلب.
الزهد في الإسلام لا يعني ترك الحياة أو الابتعاد عن العمل والمال، وإنما يعني خلوّ القلب من التعلق بالدنيا.
فالإنسان الزاهد قد يكون غنيًا وصاحب عمل ومكانة ومال، لكنه يستخدم ما لديه في الخير، ولا يجعل الدنيا أكبر همّه.
❞ ليس الزهد أن تترك الدنيا، بل أن تكون الدنيا في يدك ولا تكون في قلبك.
[1] الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، لإسماعيل بن حماد الجوهري، 2/281.
[2] لسان العرب، مادة: زهد، 6/97.
[3] الزهد، ص96.
[4] البصائر والذخائر، 1/46.
[5] قواعد الأحكام، 1/189.
[6] تفسير القرآن العظيم، 4/377.
[7] تاج العروس من جواهر القاموس، 8/151، ولسان العرب، 3/196، والمحكم والمحيط الأعظم، 4/228.